يسر موقع اللجنة العليا للإفتاء
أن يقدم لكم

• خطبة جمعة بعنوان

( الإصْــــلاح )

ألقاها الشيخ / فرحات العمامي – حفظه الله –
عضو اللجنة العليا للإفتاء
– لـــيـبـــيــا –

التفريغ

إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102)﴾ آل عمران.

 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾)  النساء

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧١﴾). الأحزاب

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

أيها المؤمنون: إنَّ دين الإسلام دين محبةٍ وألفة، وتعاونٍ وإخاء، وصلاح وإصلاح؛ ألَّف بين قلوب المؤمنين وأصلح ذات بينهم وجمع كلمتهم على الحق والهدى، فاجتمعت بالإسلام القلوب المتنافرة والنفوس المتعادية وأصبحوا متآخين، بل أصبح مثَلُهم كمثَل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

عباد الله: وهذه الأخوَّة الإيمانية والمحبة الدينية جاء الإسلام على توثيقها وتأكيدها والحث على رعايتها والعناية بها والبُعد عن أسباب ضعفها وزوالها؛ ولهذا – يا عباد الله- جاءت النصوص الكثيرة في الحث على التآلف والإخاء والمحبة والتواد والبُعد عن الشحناء والبغضاء والتقاطع والتهاجر والتدابر، وبيَّن -عليه الصلاة والسلام عظم- خطورة البغضاء، وعظم خطورة التهاجر والتدابر وعظم أثرها على الدين نفسه؛ روى الإمام أحمد -في مسنده- والترمذي -في جامعه-و حسنه الألباني عن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ؛ الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، وَالبَغْضَاءُ -هِيَ الحَالِقَةُ-، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ”، وفي سنن أبي داود وغيره و صححه الألباني  أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ” أي: الحالقة للدين.

عباد الله: ومن يتأمل في أمر هذه الحالقة للدين يجد أنها تسري في الناس إذا ضعُف إيمانهم وضعُفت صلتهم بربهم وتكالبوا على الدنيا ،وأصبحت جُلَّ همِّهم وغاية مقصودهم؛ فحينئذ تنتشر العداوات وتكثر البغضاء وتفشو القطيعة ويكثر التدابر والتهاجر، لا لشيء إلا لحطام هذه الدنيا الفانية.

 أيها المؤمنون عباد الله: وقد جاءت الشريعة بحثِّ المسلمين على رعاية أمر إصلاح ذات البين؛ لتبقى القلوب المؤمنة صافيةً متوادَّةً متحابة، لا متقاطعةً متهاجرة متباغضة، يقول الله -عز وجل-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأنفال:1]؛ قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم”، وقال الله -عز وجل (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114]، وقال الله -عز وجل (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: 128]، وقال الله -جل وعلا) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10]، وقال -جل وعلا(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) [الشورى:40].

 أيها المؤمنون عباد الله: إن أمر الصلح والإصلاح أمرٌ عظيم وشأنه جليل؛ فما أعظم أثر من يعمل في مجتمعه مصلِحًا بين الناس، والله -جل وعلا- يعلم المصلح مِن المفسد، ولا يصلح -سبحانه وتعالى- عمل المفسدين.

 أيها المؤمنون: إن المصلح بين الناس الساعي في ائتلاف قلوبهم واجتماع شملهم وزوال العداوة والبغضاء عنهم ثوابه عند الله عظيم، جاء في الطبراني وغيره و صححه الألباني من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ”، وثبت في سنن أبي داود و صححه الألباني من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟” – قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: “إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ”.

 أيها المؤمنون عباد الله: إن المصلح في مجتمعه له شأنٌ عظيم في صلاح المجتمع والتئام شمله، وائتلاف قلوب أهل الإيمان، واندحار الشيطان، وزوال العداوة والبغضاء؛ فما أعظم أثر المصلحين، وما أعظم ثوابهم عند رب العالمين؛ ولهذا -عباد الله- ينبغي لكل عبدٍ مؤمن أن يحرص على هذا الأمر قدر استطاعته، بل لا تحقرنَّ من المعروف في باب الإصلاح بين الناس أن تُصلح بين طفلين صغيرين؛ فكم من عداوةٍ نشبت بين طفلين صغيرين فنمَّاها الشيطان فصارت بين عائلتين قربتين  فتقطعت أواصر العلاقة الاجتماعية و الأسرية وبقيت معهما إلى الممات.

فما أعظم الصلح وما أعظم الإصلاح بين الزوجين وبين الإخوين وبين الأصدقاء وبين الجيران وبين عموم المتعامِلين؛ احتسابًا لثواب الله وطمعًا في موعوده -جلَّ في علاه-.

اللهم ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام”؛

  • الخطبة الثانية

  الحمد لله حمداً كثيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 عباد الله: ثبت في صحيح مسلم -وغيره- عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن “الأعمال تعرض يوم الخميس ويوم الاثنين فيغفر لكل امرئ مسلم لا يشرك بالله شيئًا، إلا من كانت بينه وبين أخيه شحناء؛ فيقول الله -تعالى-: أخِّروا هذين حتى يصطلحا”.

 عباد الله: لنعمل جاهدين على إصلاح ذات بيننا بأن يصلح المرء ما بينه وبين بعض إخوانه من شقاق وخلاف، وأن يعمل -أيضًا- على إصلاح ذات بين من يعلم بينهم خلافًا وشقاقًا، ولنحتسب في ذلك ثواب الله -جل وعلا-؛ فإن الله -عز وجل- يحب الصالحين المصلحين ولا يحب الفاسدين المفسدين. و نحن في هذه الأوقات و في هذا الوطن المترامي الأطراف حصلت بيننا فتنة عظيمة اشعل نارها خوارج مارقين و خوان مفسدين فصار الخلاف و الاختلاف و ابتعدت القلوب و تنافرت بسببها و حصلت نقاشات حادة و حوارات قاسية لسنتين و معه شهور تهورت معها الأوضاع و تغيرت فيها الأماكن و الأصقاع فنحن بحاجة ماسة للإصلاح بيننا و فيما بيننا  و ينسى الإنسان ما جرى و لا يرجع للوراء إلا لعبرة و الاتعاظ و يعفو هو بدوره و ينسى ما مضى  و لا إصلاح مع أهل البدع كالدواعش التكفرين الخوارج المارقة حتى يتوبوا و يرجعوا إلى السنة و منهج السلف الصالح  و يكونوا عونا في إصلاح المجتمع و أداة لقيام الدين الحنيف من غير افراط و لا تفريط و لتسعى جميع الهيئات و مجالس الحكماء و عمد القبائل إلى لم الشمل و لملمة الأمور وفق شرع ربنا بالحكمة و الموعظة الحسنة و النظر في عواقب ما يجري من تدهور في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية و لاحول و لا قوة إلا بالله و استعينوا بالله و اصبروا على جمع الكلمة و الوقوف صفا واحد ضد الفاسدين و المفسدين

اللهم أصلح ذات بيننا وألِّف بين قلوبنا واهدنا سبُل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النار.

وصلُّوا وسلِّموا – رعاكم الله – على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال :  )إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)