فضل العشر من ذي الحجة

التصنيف: غير مصنف . عدد المشاهدات: 818 الناشر: مشرف اللجنة

فضل العشر من ذي الحجة
إعداد فضيلة الشيخ أحمد محمد عبدالحفيظ
رئيس اللجنة العليا للإفتاء بدولة ليبيا

إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
(آل عمران:102)
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء:1)
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (الأحزاب: 70، 71)

أما بعد، فإن الأيام العشر الأول من شهر ذي الحجة أيام مباركة، وهي من أفضل أيام العمر، وقد جاء ذكرها في كتاب الله عز وجل، فقد أقسم الله تعالى بها فقال سبحانه: (والفجرِ وليالٍ عشر)، فالمقصود بالليالي العشر في الآية عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين.
وذكره كثير من أهل العلم رحمهم الله تعالى من المفسرين وغيرهم – بعضهم عن ابن عباس وبعضهم عن غيره- أن عشر ذي الحجة هي العشر التي وردت في قول الله عز وجل: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) فقوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً) هي شهر ذي القعدة، وقوله تعالى: (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) هي العشر الأول من شهر ذي الحجة.
ففضل العشر الأول من ذي الحجة عظيم؛ والله عز وجل خصها بخصائص دون غيرها من الأيام، وصفها النبي بأنها أفضل أيام تمر على الإنسان؛ فقال: (أفضل أيام الدنيا أيام العشر)، وروى الإمام البخاري وغيره بعدة ألفاظ أن رسول الله قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام) – يعني العشر الأول من ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).
فالتطوع بأنواع الأعمال الصالحة مندوب إليه مطلقا، ولكنه في عشر ذي الحجة أحب إلى الله عز وجل، فليحرص المسلم على أن يستبق الخيرات فيها، فإنها فرصة عظيمة ومنحة جليلة من الرحمن تبارك وتعالى، فلا تضيعها أيها المسلم فيما لا ينفع، بل اشغل وقتك بما يقربك إلى الله تعالى من صالحات الأعمال أيا كانت، فالنبي أطلق العمل الصالح ولم يحدد عملا معينا، والأعمال الصالحة أنواع كثيرة لا تخفى، ومن بينها مما ينبغي الاعتناء به في هذه الأيام؛ التكبير والذكر والدعاء، لقول الله عز وجل: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) فالأيام المعلومات عند أكثر المفسرين هي عشر ذي الحجة، وقد قال الإمام البخاري رحمه الله: [كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما].
مما اختصت به هذه الأيام أن النبي نهى من أراد أن يضحي عن أن يأخذ من شعره أو بشرته أو أظفاره شيئا، فقال: (من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي) وفي لفظ: (فلا يمس من شعره وبشره شيئا)، فالنهي من بداية ذي الحجة ويستمر إلى ذبح الأضحية، وهو خاص بصاحب الأضحية أي الشخص المضحي، فالنهي لا يشمل أهل البيت أو غيرهم ممن يضحى عنهم.. وإذا أخذ المضحي من شعره أو بشرته أو أظفاره فإن ذلك لا تأثير له على الأضحية وأضحيته صحيحة، وكذلك لا كفارة عليه، وبصرف النظر عن اختلاف الفقهاء في حكم أخذ شيء من الشعر أو البشرة أو الأظفار في هذه الأيام، إلا أنه ينبغي لنا أن نعمل بهذا الحديث الصحيح ونبتغي بذلك وجه الله تعالى.
من فضائل هذه الأيام أيضا أن منها يوم عرفة، وهو التاسع من ذي الحجة، وهو يوم عظيم، فهو اليوم المشهود الذي أقسم الله به في كتابه في قوله تعالى: (وشاهد ومشهود) فالشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وهو اليوم الذي أكمل الله عز وجل فيه الدين وأتم النعمة، فهو اليوم الذي أنزل الله فيه قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) وقد حث النبي على صيامه وكثرة الذكر والدعاء فيه، فقال: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) وقال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء)، وقال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، فحافظ – وفقك الله- بقدر استطاعتك على اغتنام ساعاته، والاجتهاد فيه بالطاعات من ذكر ودعاء وصيام ونحو ذلك، وإياك إياك أن تكون من الغافلين.
اليوم العاشر من هذه العشر هو يوم عيد الأضحى، وهو من أفضل الأيام التي تمر بالمسلم، وهو يوم خير وبركة، قال رسول الله: (إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر)، وفيه عبادة عظيمة ألا وهي ذبح الأضحية، وسوف نذكر فضلها وأحكامها في وقفة أخرى لاحقا إن شاء الله تعالى.
وشهر ذي الحجة جميعه له ميزة وفضل، فهو -إضافة إلى أن هذه الأيام العشر منه- من الأشهر الحرم التي قال الله فيها: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) قال الإمام ابن جرير رحمه الله: [خص أربعة أشهر فجعلهن حرما وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم].
في شهر ذي الحجة أيضاً من الأيام المعظمة شرعاً غير ما سبق ذكره؛ يوم القرِّ، وهو الذي يلي يوم العيد وهو أول أيام التشريق، وسمي بيوم القر لأن الحجيج يمكثون فيه بمنى، وذلك لأنهم يكونون قد أنهوا طواف الإفاضة والنحرَ فاستراحوا وقروا، وقد قال: (أفضل الأيام عند الله يوم النحر ويوم القر)، وتليه بقية أيام التشريق، وأيام التشريق هي أيام رمي الجمرات للحاج، وهي أيضاً أيام عيد أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل) لا يجوز صيامهن إلا للحاج الذي لم يجد الهديَ كما ثبت عن النبي، وهي المقصودة في قول الله عز وجل: (واذكروا الله في أيام معدودات) كما رواه ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما.
فاحذر الغفلة يا أخي، واغتنم هذه الأيام المباركة، وتنبه فإنك إن أدركتها هذا العام فربما لا تدركها من قابل، أسأل الله تعالى أن يبارك في أعمارنا جميعا، وأن يجعلنا ممن طالت أعمارهم وحسنت أعمالهم.
تذكروا أيها الإخوة أن من أفضل الأعمال الصالحة مواساة الفقراء وإدخال السرور عليهم بالصدقات ونحوها، ولا سيما في هذه الأيام، فعند اقتراب العيد ينشغل الناس بتوفير المستلزمات وحاجات الأولاد وشراء الأضاحي، أما الفقراء فلهم أحوال وأحاديث أخرى، أولادهم يقطعون قلوبهم ويتمنون أن تكون لهم أضحية كما أن لغيرهم أضحية.. فمن استطاع المساعدة وشراء أضحية لأسرة فقيرة عاجزة فليعلم أنه على خير عظيم، وقد قال رسول الله: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا).
أسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا من أهل طاعته ورضوانه
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وكتب
أحمد محمد عبد الحفيظ