الصاع في إحْكام الصاع

بِسْم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و الصلاة على رسول الله و على آله وصحبه و من اتبع هداه

و بعد

 فهذا بحث موجز في أحكام الصاع و ما يتعلق به من مسائل مهمة و من هذه المسائل ما ينتشر الْيَوْمَ في مقداره و حجمه و نحن مقبلين على عيد من أعياد المسلمين و فيه شعيرة تخصه عن غيره إلا وهي زكاة الفطر

روى البخاري و مسلم و غيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة

فما هو الصاع ؟ و كم مقداره ؟

قال صاحب جمهرة اللغة (1076/2)
الصاع: مكيال معروف، والجمع صيعان وأصوع في أدنى العدد.

وقال صاحب مقاييس اللغة  (321/3)
فالصاع والصواع، وهو إناء يشرب به. وقد يكون مكيال من المكاييل صاعا، وهو من ذات الواو، وسمي صاعا لأنه يدور بالمكيل.

و في مقداره اختلف العلماء إلى أقوال بعضها متقاربة و البعض الأخر فيه بُعد
فأقوال المالكية و الشافعية و الحنابلة متقاربة
و اختلاف العلماء في مقداره لاختلافهم عند الأوزان و يعتبر الصاع من أشهر المكاييل الإسلامية، وتدور عليه أحكام المكاييل في الفقه، وهو من مضاعفات المد، وعرف بأنه: مكيال يسع أربعة أمداد
وقُدر أيضاً بأربع حفنات بكف الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرها
وقد اتفق الفقهاء وأهل اللغة على أنه يساوي أربعة أمدا د ولكن هذا الاتفاق لا أثر له لأن أهل العلم اختلفوا في مقدار المد، ولذا يختلف به قدر الصاع بالوزن عندهم بناءعلى اختلافهم في قدر المد بالرطل، وقدر الدرهم بالحبات  
الموسوعة الفقهية الكويتية (38/296)

فالدانق ثمان حبات وخمس حبة
والدرهم ستة دوانق،
 والمثقال درهم وثلاثة أسباع،
الرطل تسعون مثقالا
و المد يساوى رطل وثلث 1.333

وعلى هذا فالرطل تسعون مثقالاً،
وهي مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم”

الرطل يساوي 381.6 جرام
و المد  يساوي رطل وثلث 1.333

 1.333 رطلا × 381.6 = المد بالجرام = 509 جراما تقريباً
فيكون مقدار المد بالكيلو جرام  508.7 جراماً أي نصف كيلو جرام و9 جرامات، وهذا يوافق تقريباً ما ذهب إليه العلامة محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله تعالى-في شرحه للزاد حيث ذكر إن المد يساوي عنده 510 جراماً

 بناء على ذلك فأن المد يساوي  509 جراماً، فيكون وزن الصاع عندهم بالكيلو جرام على النحو الآتي:
 4 أمداد × 509 جرام = الصاع بالجرام = 2036 جرام فيكون هذا وزن الصاع عند الشافعية و الحنابلة بخلاف المالكية فالصاع عندهم يساوي 2026 جرام و الحنفية عندهم الصاع 4288 جرام

و القول الصحيح في وزن المد هو رطل و ثلث و الذي يعادل509 جرام

قال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري (1/302)
قال عبيد : وذهب أهل المدينة إلى أن المد ربع الصاع، وهو رطل وثلث، والصاع خمسة أرطال وثلث. وهو قول أبى يوسف وإليه رجع حين ناظره مالك فى زنة المد وأتاه بمد أبناء المهاجرين والأنصار وراثة عن النبى، (صلى الله عليه وسلم) ، بالمدينة. وهو قول إسحاق بن راهويه.

قال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري (174/6)
قال السائب بن يزيد : كان الصاع على عهد النبى (صلى الله عليه وسلم) مدا وثلثا بمدكم اليوم، فزيد فيه فى زمن عمر بن عبدالعزيز.
 ٥ – وفيه: ابن عمر، أنه كان يعطى زكاة رمضان بمد النبى (صلى الله عليه وسلم) المد الأول، وفى كفارة اليمين بمد النبى (صلى الله عليه وسلم) . وقال مالك: لو جاءكم أمير، فضرب لكم مدا أصغر من مد النبى (صلى الله عليه وسلم) ، بأى شىء كنتم تعطون؟ قلت: كنا نعطى بمد النبى، عليه السلام، قال: أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مد النبى، عليه السلام.
٦ – وفيه: أنس، قال عليه السلام: (اللهم بارك لهم فى مكيالهم ومدهم وصاعهم) . وقوله: (كان الصاع على عهد النبى مدا وثلثا) يدل أن مدهم ذلك الوقت حين حدث به السائب وزنه أربعة أرطال، وإذا زيد عليه ثلثه، وذلك رطل وثلث قام منه خمسة أرطال وثلث، وهو الصاع بدليل أن مد النبى – عليه السلام – فيه رطل وثلث، وصاعه أربعة أمداد بمده عليه السلام، وأما مقدار ما زيد فيه فى زمن عمر بن عبد العزيز فلا يعلم ذلك إلا بخبر.

قال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري ( ١٧٥/٦)

(…قال المهلب: وإنما دعا النبى – عليه السلام – لهم بالبركة فى مكيالهم وصاعهم ومدهم، فإنه خصهم من بركة دعوته بما أضطر أهل الأرض كلها أن يشخصوا إلى المدينة ليأخذوا هذا المعيار المدعو له بالبركة، وينقلوه إلى بلدانهم، ويكون ذلك سنة فى معايشهم وما افترض الله عليهم لعيالهم،)

و لا شك و لاريب أن مد وصاع المدينة مدعو لهما بالبركة والبركة هي الزيادة والنماء
فعن أبي هريرة رضي الله عنه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله صاعنا أصغر الصيعان ومدنا أصغر الأمداد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(اللهم بارك لنا في صاعنا وبارك لنا في قليلنا وكثيرنا واجعل لنا مع البركة بركتين). الصحيحة) (٣٩٩٧): م.

قال أبو حاتم في التعليقات الحسان (204/5) :
في ترك إنكار المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: صاعنا أصغر الصيعان بيان واضح أن صاع أهل المدينة أصغر الصيعان ولم يختلف أهل العلم من لدن الصحابة إلى يومنا هذا في الصاع وقدره إلا ما قاله الحجازيون والعراقيون وزعم الحجازيون أن الصاع خمسة أرطال وثلث وقال العراقيون: الصاع ثمانية أرطال فلما لم نجد بين أهل العلم خلافا في قدر الصاع إلا ما وصفنا صح أن صاع النبي صلى الله عليه وسلم كان خمسة أرطال وثلثا إذ هو أصغر الصيعان وبطل قول من زعم أن الصاع ثمانية أرطال من غير دليل ثبت له على صحته)

قال الالباني في كتابه الإرواء (3/337)
الطريق الثانية: عن داود بن قيس عن عياض بن عبد الله به ولفظه: ” كنا نخرج إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعا من طعام أو … ” الحديث مثل حديث مالك عن زيد وزاد فى آخره: ” فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبى سفيان حاجا أو معتمرا.
فكلم الناس على المنبر , فكان فيما كلم به الناس أن قال: إنى أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر. فأخذ الناس بذلك , قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدا ما عشت “أخرجه مسلم

قال الالباني رحمه الله في كتابه الثمر المستطاب (28/1)
والأظهر أن الصاع خمسة أرطال وثلث عراقي سواء صاع الطعام والماء وهو قول الجمهور العلماء خلافا لأبي حنيفة. كذا في (اختيارات شيخ الإسلام)
وقد روى الطحاوي (١/ ٣٢٤) عن علي بن صالح وبشر بن الوليد جميعا عن أبي يوسف قال: قدمت المدينة فأخرج إلي من أثق به صاعا فقال: هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلث. قال الطحاوي: وسمعت ابن أبي عمران يقول: يقال: إن الذي أخرج هذا لأبي يوسف هو مالك بن أنس)

 

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في مجمع الفتاوى (288/18)

ومقدار صاع النبي صلى الله عليه وسلم كيلوان اثنان وأربعون غراما، فيكون النصاب ستمائة واثني عشر كيلو (٢١٦) ، والمعتبر في هذا الوزن بالبر (القمح) الجيد؛ فتزن من البر الجيد ما يبلغ كيلوين اثنين وأربعين غراما، ثم تضعه في مكيال يكون بقدره من غير زيادة ولا نقص، فهذا هو الصاع النبوي، تقيس به كيلا ما سوى البر.
ومن المعلوم أن الأشياء المكيلة تختلف في الوزن خفة وثقلا، فإذا كانت ثقيلة فلابد من زيادة الوزن حسب الثقل.

وأما تقديرها بالكيلوين ومئة غرام وقد ذكرنا في كتابنا (مجالس شهر رمضان) أن مقدار زكاة الفطر يقدر بكيلوين وأربعين غراما، فهذا لا تناقض، وحتى لو جاء واحد وقال: إن مقدار
الصاع كيلوين ونصف، أو جاء آخر وقال: مقدار الصاع ثلاثة كيلوات فلا تناقض؛ لأن تقدير الفطرة بالكيل، والكيل يعتمد الحجم لا الوزن، فرب شيء يزن شيئا كبيرا وهو صغير الحجم إذا كان هذا الشيء ثقيلا كالحديد مثلا، والآخر خفيفا، ولذلك وزن التمر لا يمكن أن يكون كوزن البر، ووزن البر لا يمكن أن يكون كوزن الرز، ووزن الرز أيضا بعضها مع البعض الآخر لا يمكن أن يتفق مثال ذلك:
الحبوب ربما تتأثر بالجو إذا كان الجو رطبا تمتص من هذه الرطوبة فيزداد وزنها، وربما تمتص فيزداد حجمه
فالمهم أننا إذا قدرنا زكاة الفطر بالكيلو فليس معنى ذلك أن التقدير عام في كل شيء، لأن العبرة بالكيل الحجم دون الوزن، فإذا قدرناه بالبر الرزين بألفين وأربعين غراما، وجاءنا رز أثقل منه يجب أن يزيد الوزن في الرز، إذا كان هذا كيلوين وأربعين غراما يجب أن يزاد هذا، كذلك لو جاءنا رز أثقل من الأول يجب أن نزيد الوزن فكلما كان الشيء أثقل وهو مقدر بالكيل يجب أن يزداد وزنه وهذه قاعدة. ولذلك لا يمكن أن يقدر الناس الفطرة بوزن معين في كل الطعام، ولو فعلنا ذلك لكنا مخطئين.
فإذا قال قائل: كيف نعلم هذا الشيء؟
قلنا: قس الكيل بالصاع النبوي ثم ضع إناء يتسع لهذا الكيل، ثم قدر به الفطرة سواء ثقل وزنه أم خف؛ لأن المعتبر في الكيل هو الحجم.)

 

 

 

و هذا ما تسنى لنا جمعه

في صبيحة يوم الجمعة 28/رمضان /1438

وصلى الله وسلم على رسول الله

الهادي إلى صراطه المستقيم

 

 

📝 جمعه :
أبوياسين فرحات العمامي

عضو اللجنة العليا للإفتاء

ليبيا