الرد على بعض الشُّبه

التي أثارها أحد المُتعالمين حول زكاة الفطر

 

الشُّبهة الأولى :

ما دام أنّ الحديثَ الواردَ في زكاةِ الفطرِ ذُكرَتْ فيه أصنافٌ مختلفةٌ من الطعامِ ولم يَقتصرْ على صنفٍ واحدٍ، وعلى هذا فيجوز لنا أن نَعْدِلَ عن الطعامِ إلى النقود لعدم التقيّد بصنف واحد من الأطعمة .

الجواب :

أنه ورد في أحاديث أخرى ذِكْرُ الطعام مُطلقاً كما في حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – الذي عند البخاري ومسلم : (كنّا نُخرِجُ زكاةَ الفِطرِ صاعاً من طعامٍ …) الحديث.

فَفُهِمَ من هذا الحديث أن هذه العبادة مقيدةٌ بالطعام ( قُوتُ البلدِ )، فإذا أتيْنا بطعامٍ لم يُنَصّ عليه في الحديث فقد حصل المقصود وهو الإطعام، والنقود لا يُطلقُ عليها طعاما ، وقد جاء في حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – : (طُعْمَةً للمساكينِ) ولم يثبُت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه أخرجها نقودا رغم توفُّر النقود في زمنه – عليه الصلاة والسلام – ، وكذلك لم يثبُت عن صحابيٍّ واحدٍ أنه أخرجها نقودا حتى آخرَ صحابيّ مات منهم ، وهو عامر بن واثلة ( أبو الطُّفيْل) رغم أنهم كانوا يتداولون النقود بينهم، ولقد قلّ المالُ في بعض عهده – عليه الصلاة والسلام – واحتاج الناس إليه ولم يفعل ، وكثُر المالُ في عهد عُمرَ وعثمانَ وعليّ ولم يُخرجوها مالًا (نقودا)

كذلك إخراجُها طعاما أظهر لهذه الشّعيرة، فيَرَاها الناسُ، وربّما يراها حتى الكافر فيرقّ قلبُه فلربما يُسلم، حيث يرى  تراحم المسلمين بعضهم ببعض وكذلك يكون فيه أُلفة وتراحم بين المسلمين أنفسهم ، لكن إخراجها نقودا أمر خفي لا يراه أحد ولا تكون هذه الشعيرة ظاهرة فلا يدري بها كثير من الناس ، كذلك ربما وقعت النقود عند رب الأسرة  ولم يُحسن التصرف فيها وقد لا يُنفقها على أهله وعياله، بل قد ينفقها في محرّم ، وأيضا قد يقع هذا المال عند أصحاب الولاءات الحزبيّة، فيستخدمونها في نصرة مذهبهم وسياستهم.

 

 

الشّبهة الثانية :

جواز أخْذ العَرْض ( البَدَل ) في زكاة الأموال يدلّ على جواز أخذ العَرْضَ (البدل) في زكاة الفطر .

 

الجواب :

لابد لنا أن نفرق بين زكاة الأموال وزكاة الفطر:

  • فزكاة الأموال ركن من أركان الإسلام، وزكاة الفطر ليست ركنا من أركانه .
  • كما أن زكاة الأموال أوجبها الله في المال ، أما زكاة الفطر فهي زكاة متعلقة بالبدن، ولذا جاء في حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – : (طهرة للصائم)
  • وزكاة المال يجوز فيها العوض ، وقد ذكر هذا الفقهاء في مصنفاتهم، فقد بوّب البخاري (باب العَرْض في الزكاة ) أي جواز أخذ العَرْض وهو ( البَدَل) وذكر أثر معاذ مُعلّقا (ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ) فهذا كان في زكاة الأموال وليس في زكاة الفطر، فقد كان معاذٌ – رضي الله عنه – يجبي من أهل اليمن زكاة الزروع ( الحبوب ) ولذا البخاري بوب لها بابا مستقلا عن زكاة الفطر، وجعله من ضمن أبواب زكاة المال ، وجاء بعده بأبواب زكاة الإبل وزكاة الغنم، وبعدها بوب بابا مستقلا بزكاة الفطر فقال ( باب فرض صدقة الفطر ) وأتبعها بأبواب تخص زكاة الفطر فَفُهم من ذلك أنه أراد بتبويبه ( العرض في الزكاة )  زكاة الأموال لا زكاة الفطر ، وقد نُقِل عن الإمام أحمد جواز أخذ العرض في زكاة المال ، ولم يُنْقل عنه في زكاة الفطر  ، بل الذي ثبت عنه في زكاة الفطر هو عدم جواز إخراجها نقودا، وكذلك ثبت ذلك عن مالك والشافعي وغيرهم من أئمة الإسلام ، ولذا جاء في حديث أبي سعيد الخدري –  رضي الله عنه – المُتّفقُ عليه : (أما نحن ما زلنا نخرجها صاعا من طعام )

 

الشبهة الثالثة :

النقود ينتفع بها الفقير أكثر من الطعام .

 

الجواب  :

الطعام له أن يبيعه  ويستفيد من النقود، ثم إن الغرض من زكاة الفطر ليس إغناء الفقير ماليا ، إنما لسد حاجته ذلك اليوم وبعده من الطعام وأما الحديث الوارد (أغنوهم عن السؤال ذلك اليوم ) فهو ضعيف، فيه أبو معشر المدنيّ ، ثم إن قلنا لهم إن كانت النقود أفضل للمسكين من الطعام فهل يجوز أن لا نذبح في عيد الأضحى ونعطي المسكين مالا بدلا من اللحم ! تراهم يتناقضون ويقولون لك : لابد من الذبح ! فسبحان الله ! أليس الذي فرض عليهم الذبح في عيد الأضحى هو من فرض عليهم الإطعام في الفطر ؟!  فنعوذ بالله من الهوى .

 

الشبهة الرابعة :

يستدلون بأثر عمر بن العزيز وأنه كان يخرجها نقودا .

 

الجواب:

جاء في (المغني) لابن قدامة أنه قيل للإمام أحمد عندما قال : ( لا يعطي قيمته ) أي :الطعام ، قيل له : يقولون عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة ، قال يَدَعُون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون قال فلان ! ، قال ابن عمر رضي الله عنه : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم … ) الحديث ، وقال الله : ( أطيعوا الله واطيعوا الرسول ) ، وقال رحمه الله : قوم يردون السُّنَنَ قال فلان وقال فلان !  انتهى

وكذلك الذي جاء عن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – هو أنه كتب إلى عامله أن يجعل على أهل الديوان نصف درهم من كل إنسان يؤخذ من أعطياتهم فهذا ليس فيه دليل على جواز إخراج القيمة وجعلها هي الأصل استقلالا وابتداءً، وإنما هي على أهل الديوان خاصة وليس على عامة الناس، ثم إنه لا يُعلم من خلال سيرته – رحمه الله – أنه أجازها في عام واحد أم في جميع ولايته؟!

وقد سبق رد الإمام أحمد على من يستدلون بهذا الأثر على جواز إخراجها نقودا .

 

الشبهة الخامسة :

أثر أبي إسحاق السّبِيعِي ( أدركتهم وهو يعطون في صدقة رمضان الدراهمَ ) ويذكرون أثرا عن الحسن البصري في جواز ذلك .

 

الجواب :

هذا فيه أمور منها :

الأمر الأول : أنه ليس فيه تصريح بأن الذين أدركهم هم الصحابة، ولعله أراد بذلك الحسن البصري وهو من التابعين – رحمه الله -، وهذا إن ثبت فهو خلاف ما كلن عليه الصحابة – رضي الله عنهم – ، حيث أنه لم يثبت عن واحد منهم رغم أنهم كانوا يعدون بالآلاف أنه أخرجها نقودا.

 

الأمر الثاني : أن هذا الأثر ( أثر أبي إسحاق السبيعي ) مقطوع، كذلك أبو إسحاق مُدلّس ، ذكر ذلك ابن حبان في كتابه (الثقات ) قال رحمه الله : كان مُدلّسا .

كما أن الراوي عن أبي إسحاق السبيعي هو زهير ابن معاوية ( أبو خيثمة) قال فيه الإمام أحمد بن حنبل بعد أن ذكر صدقه : لكن في حديثه عن أبي إسحاق لِينٌ، سمع منه بآخره، أي بعد اختلاطه، وهذا مما حدث به في آخره، أي بعد اختلاطه.

 

الشبهة السادسة :

أن أحد المتعالمين ذكر أن الشيخ الألباني – رحمه الله – يجيز إخراجها نقودا .

 

الجواب:

قد ذكر الشيخ الألباني هذه المسألة في عدة مواضع وانتصر لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو من أحرص الناس رحمه الله على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونكتفي بالرد على هذه الفرية بنقل كلام الشيخ رحمه الله من سلسلة الهدى والنور – الشريط 274- الدقيقة 50 –

قال الشيخ الألباني رحمه الله :

 الذين يقولون بجواز إخراج صدقة الفطر نقودا هم مخطئون لأنهم يخالفون النص : حديث الرسول عليه السلام الذي يرويه الشيخان في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما قال :” فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط ” فعين رسول الله هذه الفريضة التي فرضها الرسول عليه السلام ائتمارا بأمر ربه إليه ليس نقودا وإنما هو طعام مما يقتاته أهل البلد في ذلك الزمان فمعنى هذا الحديث أن المقصود به ليس هو الترفيه عن الناس الفقراء والمساكين يلبسوا الجديد والنظيف وو … الخ وإنما هو إغنائهم من الطعام والشراب في ذاك اليوم وفيما يليه من الأيام من بعد العيد . وحين أقول بعد العيد فإنما أعني أن يوم الفطر هو العيد أما اليوم الثاني والثالث فليسوا من العيد في شيء إطلاقا ، فعيد الفطر هو يوم واحد وعيد الأضحى  أربعة أيام فالمقصود بفرض صدقة الفطر من هذا الطعام المعود في تلك الأيام هو إغناء الفقراء والمساكين في اليوم الأول من عيد الفطر ثم ما بعد ذلك من أيام طالت أو قصرت .

فحينما يأتي انسان ويقول لا ، نخرج القيمة هذا أنفع للفقير ، هذا يخطئ مرتين :

المرة الأولى : أنه خالف النص والقضية تعبدية هذا أقل ما يقال .

لكن الناحية الثانية : خطيرة جدا لأنها تعني أن الشارع الحكيم ألا وهو رب العالمين حينما أوحى إلى نبيه الكريم أن يفرض على الأمة إطعام صاع من هذه الأطعمة مش داري هو ولا عارف مصلحة الفقراء والمساكين ، كما عرف هؤلاء الذين يزعمون بأنه إخراج القيمة أفضل ، لو كان إخراج القيمة أفضل لكان هو الأصل وكان الإطعام هو البدل لأن الذي يملك النقود يعرف أن يتصرف بها حسب حاجته إن كان بحاجة إلى الطعام اشترى الطعام ،إن كان بحاجة إلى الشراب اشترى الشراب ، إن كان بحاجة إلى الثياب اشترى الثياب فلماذا عدل الشارع عن فرض القيمة أو فرض دراهم أو دنانير إلى فرض ما هو طعام إذن له غاية ، ولذلك حدد المفروض ألا وهو الطعام من هذه الأنواع المنصوصة في هذا الحديث وفي غيره ، فانحراف بعض الناس عن تطبيق النص إلى البديل الذي هو النقد هذا اتهام للشارع بأنه لم يحسن التشريع لأن تشريعهم أفضل وأنفع للفقير هذا لو قصده ، كفر به لكنهم لا يقصدون هذا الشيء ، لكنهم يتكلمون بكلام هو عين الخطأ ، إذن لا يجوز إلا إخراج ما نصّ عليه الشارع الحكيم وهو طعام على كل حال .

 

وهنا ملاحظة لابد من ذكرها ، لقد فرض الشارع أنواعا من هذه الأطعمة لأنها كانت هي المعروفة في عهد النبوة والرسالة لكن اليوم وجدت أطعمة نابت مناب تلك الأطعمة ، اليوم لا يوجد من يأكل الشعير ، بل ولا يوجد من يأكل القمح والحب لأنه الحب يتطلب شيء آخر وهو أن يوجد هناك الطاحونة ويتطلب وجود تنور صغير أو كبير كما لا يزال موجود في بعض القرى ، فلما هذه الأطعمة أصبحت في حكم المتروك المهجور فيجب حينئذ أن نخرج البديل من الطعام وليس النقود ، لأننا حينما نخرج البديل من الطعام صرنا مع الشرع فيما شرع من أنواع الطعام المعروفة في ذلك الزمان . أما حينما نقول نخرج البديل وهو النقود ورد علينا أن الشارع الحكيم ما أحسن التشريع لأننا نقطع جميعا على أن النقود هي أوسع استعمالا من الطعام ، لكن لما رأينا الشارع الحكيم فرض طعاما ووجدنا هذا الطعام غير ماشي اليوم حينئذ لازم نحط عن بديله . بديل مثلا الأرز أي بيت يستغني عن أكل الأرز ؟ لا أحد ، لا فقير ولا غني إذن بدل القمح بنطلع الأرز أوبنطلع السكر مثلا أو نحو ذلك من أي طعام .

 

يوجد في بعض الأحاديث الأقط والأقط هو اللي بيسموه هنا الجميد اللبن المجمد يمكن الإنسان يطلّع من هذا الطعام لكن حقيقة بالنسبة لنحن في سوريا في العواصم مش معروف الجميد لكن في كثيرمن القرى معروف وإذا أخرج الإنسان جميدا لبعض الفقراء والمساكين ماشي الحال تماما بس هذا يحتاج إلى شيء من المعرفة انه هذا الإنسان يستعمل الجميد وإلا لا ،الذي أراه أنه لا يغلب استعماله كذلك منصوص في بعض الأحاديث التمر لكن أعتقد أنه التمر في هذه البلاد لا يكثر استعماله كما يستعمل في السعودية مثلا فهناك طعامه مغذي فربما يقيتهم ويغنيهم عن كثير من الأطعمة ، المهم الواجب ابتداءا وأصالة إخراج شيء من هذه الأنواع المنصوصة في نفس الحديث ولا يخرج إلى طعام آخر كبديل عنه إلا إذا كان لا يوجد حوله فقراء ومساكين يأكلون من هذا الطعام الذي هو مثلا كما قلنا الأقط الجميد أو التمر كذلك الزبيب مثلا الزبيب عندنا يؤكل لكن ما هو إيش ؟ ما هو طعام اليوم يدّخر ويقتاتون به فالأحسن فيما نعتقد والله أعلم هو إخراج الأرز ونحو ذلك مثل ما قلنا أو الفريكة فهذه الأقوات يأكلها كل الطبقات من الناس .

كتبه الشيخ / سالم الوصّاري

عضو اللجنة العليا للإفتاء – ليبيا –